فخر الدين الرازي

60

تفسير الرازي

هم المرسلون ، قال المفسرون : أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل وعلى المرسلين وقال : إن آمنت بربكم فاسمعوا قولي واشهدوا في ثانيها : هم الكفار كأنه لما نصحهم وما نفعهم قال : فأنا آمنت فاسمعون ثالثها : بربكم أيها السامعون على العموم ، كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول : يا مسكين ما أكثر أملك وما أنزل عملك يريد به كل سامع يسمعه وفي قوله : * ( فاسمعون ) * فوائد أحدها : أنه كلام مترو متفكر حيث قال : * ( فاسمعون ) * فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر وثانيها : أنه ينبه القوم ويقول إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرت لآمنا معك وثالثها : أن يكون المراد السماع الذي بمعنى القبول ، يقول القائل نصحته فسمع قولي أي قبله ، فإن قلت لم قال من قبل : * ( ومالي لا أعبد الذي فطرني ) * ( يس : 22 ) وقال ههنا : * ( آمنت بربكم ) * ولم يقل آمنت بربي ؟ نقول قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر ، لأنه لما قال آمنت بركم ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه ولو قال بربي لعلهم كانوا يقولون كل كافر يقول لي رب وأنا مؤمن بربي ، وأما على قولنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان للتوحيد ، وذلك لأنه لما قال : * ( أعبد الذي فطرني ) * ( يس : 22 ) ثم قال : * ( آمنت بربكم ) * فهم أنه يقول ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم ، بخلاف ما لو قال آمنت بربي فيقول الكافر وأنا أيضاً آمنت بربي ومثل هذا قوله تعالى : * ( الله ربنا وربكم ) * . ( الشورى : 15 ) . * ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يا لَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ) * ثم قال تعالى : * ( قيل ادخل الجنة ) * فيه وجهان أحدهما : أنه قتل ثم قيل ادخل الجنة بعد القتل وثانيهما : قيل ادخل الجنة قيب قوله * ( آمنت ) * ( يس : 25 ) وعلى الأول . فقوله تعالى : * ( قال يا ليت قومي يعلمون ) * يكون بعد موته والله أخبر بقوله وعلى الثاني قال ذلك في حياته وكأنه سمع الرسل أنه من الداخلين الجنة وصدقهم وقطع به وعلمه ، فقال : يا ليت قومي يعلمون كما علمت فيؤمنون كما آمنت وفي معنى قوله تعالى : * ( قيل ) * وجهان كما أن في وقت ذلك وجهان أحدهما : قيل من القول والثاني : ادخل الجنة ، وهذا كما في قوله تعالى : * ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن ) * ( يس : 82 ) ليس المراد القول في وجه بل هو الفعل أي يفعله في حينه من غير تأخير وتراخ وكذلك في قوله تعالى : * ( وقيل يا أرض ابلعي ) * ( هود : 44 ) في وجه جعل الأرض بالغة ماءها . * ( بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) * وفي قوله تعالى : * ( بما غفر لي ربي ) * وجو أحدها : أن ما استفهامية كأنه قال : يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي حتى يشتغلوا به وهو ضعيف ، وإلا لكان الأحسن أن تكون ما محذوفة الألف يقال بم وفيم وعم ولم وثانيها : خبرية كأنه قال : يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي ربي وثالثها : مصدرية ، كأنه قال : يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي ، والوجهان الآخران هما المختاران .